محمد متولي الشعراوي
3193
تفسير الشعراوى
الطائرة على ارتفاع يساوى أربعين ألف قدم ، وبعد إحدى عشرة ساعة تهبط الطائرة قليلا ؛ لترى أضواء مدينة صاخبة ، ويقول لك صاحبك : هذه هي نيويورك ، وتلك هي ناطحات السحاب . هكذا صار علم اليقين عين يقين . وعندما تنزلان معا إلى شوارع نيويورك فأنتما تسيران إلى جزيرة ما نهاتن . وتصعد إلى برج التجارة أعلى ناطحات السحاب في نيويورك ، وهذا هو حق اليقين . إذن : فمراحل اليقين ثلاث : علم يقين : إذا أخبرك صادق بخبر ما ، وعين يقين : إذا رأيت أنت هذا الخبر ، وحق يقين : إذا دخلت وانغمست في مضمون وتفاصيل هذا الخبر . وقديما قلت لتلاميذى مثالا محددا لأوضح الفارق بين ألوان اليقين ، قلت لهم : لقد رأيت في أندونيسيا ثمرة من ثمار الموز يبلغ طول الثمرة الواحدة نصف المتر . وبالطبع صدقني التلاميذ ؛ لأنهم يصدقون قولي . وقد نقلت لهم صورة علمية . وصار لديهم علم يقين . وبعد ذلك أدخل إلى غرفة وأفتح حقيبة وأخرج منها ثمرة الموز التي يبلغ طولها نصف المتر . وبذلك يصير علم اليقين عين يقين . وبعد ذلك أمسكت بسكين وقمت بتقشير ثمرة الموز ووزعت على كل واحد منهم قطعة . وهكذا صار لديهم حق يقين . وحين يطلق الحق « اليقين » فهو يشمل الذي علم والذي تحقق . فأهل الأدلة ، علموا علم اليقين ، وأهل المرائي والمشاهدات علموا عين اليقين ، وأهل الفيوضات والتجليات وصلوا إلى حق اليقين . والمؤمنون باللّه يقول الواحد منهم : أنا بمجرد علم اليقين موقن تماما ولا أنتظر حق اليقين لأنى لا أجرؤ على التكذيب ؛ لذلك نجد أن سيدنا الإمام عليا - كرم اللّه وجهه - يقول : لو انكشف عنى الحجاب ما ازددت يقينا . والحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة في قوله الحق : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) ( سورة التكاثر )